ردّ على مراجعة أسعد أبو خليل لمذكرات كاظم الخليل

ردّاً على ما ورد في مقالة أسعد أبو خليل [«دَور زعماء الشيعة في لبنان المعاصر:مذكّرات كاظم الخليل»، «الأخبار»، السبت 31 كانون الثاني 2026]، يهمّني توضيح الآتي:
1) ولو أنك تتميّز بسعة الاطلاع ونفاذ الذاكرة، إنما يعوزك ما يبزهما: التفكير الهادئ المتأمّل المراجع. معظم كتاباتك عن العرب وعصابات لبنان صحيحة. أنت فشّة خلق، شتّامٌ ماهرٌ، في هذا العصر الذي يتبوّأ فيه مستحقّو الشتيمة معظم المراكز العليا والسلطوية. إلّا أني لا أدري سبب ومبرّر حملتك الدوريّة على آل الخليل ظلماً وتعدّياً، وربما يظنّك قارئك مطّلعاً على تاريخهم، على تنوّع جذوره وأغصانه وأثماره. إنّ المؤذي في حملاتك أنك أستاذ جامعي، فيُظَنّ أنك تسمو عن الزواريب السياسية الضيقة، وأنك تنطلق من الموقع الأكاديمي الموضوعي.
وما يضاعف الأذيّة أنك ابن أبو خليل العائلة العريقة التي نحبّ ونحترم، القائمة في منطقة النشاط التاريخي لآل الخليل. في حين أنك لم تلتقِ ولم تحاور يوماً أحداً منهم. فلا بد أن أفكارك عن هذه العائلة مستقاة من الدعاية الغاشمة التي أطلقها منذ عقود اليسار في المنطقة والذين كانوا بدورهم غرباء كلياً عن العائلة. وحملها من بعدهم الأخصام الذين ما زالوا منذ عقود متسلّطين على البلاد والعباد والسلطات وسائر مصادر القوّة والعزم الدعائي والمالي، ليغدوا ضحية بريئة لك.
2) وفي عود إلى سابق اتهاماتك: آل الخليل أكثر عائلة خدمت الفلسطينيين في لبنان، وبإمكانات بيوتها الذاتية. في 1948 تحوّلت بيوتهم في صور مراكز غوث وشبابهم متطوّعين. أنشأت العائلة، بممانعة حادة من سلطة الثلاثي الخوري-الصلح-الأسعد، مستشفى فلسطين الذي أطلق عليه الناس اسم الدكتور سعد الله الخليل الذي لبث حتى يوم وفاته جراحاً ماهراً مثابراً فيه.
3) لم يكن آل الخليل من الإقطاع. بل هم بنوا زعامة وهم معارضون دائمون. زعامةٌ كان لها دورٌ أول في أحيائنا وقرانا منذ العثمانيين، منذ مجزرة شحور على يد الوالي العثماني أحمد باشا الجزار إلى ما بعد الاستقلال، ببيوت لبثت وما تزال مشرّعة الأبواب تغيث بوجه العثمانيين الذين سجنوا زعماءهم وأعدموا عبد الكريم الخليل زعيم انتفاضة العرب، وبوجه الفرنسيين المنتدبين من نفسهم، الذين سجنوا عبد الرحمن ودسّوا لاغتياله، وبحول الله ما تزال على قدر استطاعة أهلها مفتوحة. وكان كاظم من خطباء ثورة اللبنانيين على الفرنسيين فسمّاه الصيداويون «جبل النار». وفي وجدان العائلة أن عبد الرحمن الخليل من مؤسسي جيش الإنقاذ وأن علي كامل الخليل، شقيق والد الدكتور حازم، قاد كتيبة نفّذت عمليات في أرض فلسطين. ولقد أحبط الخليليون، خليل وكريم وإسماعيل، تصميم الصهاينة على إنشاء لجان في القرى إبّان الاحتلال. وأكثر عائلة تعرّضت لإيذاء الإسرائيلي المحتل هم آل الخليل: نسف الإسرائيليون بقايا بيوتهم وسهّلوا اتهامهم وهرّبوهم قبل انسحابهم وتركهم المنطقة لمن منع غازي كنعان من دخولها.
فهل لك أن تتخيل، فضلاً عن أن تروّج، أن منّا مَن يقف أمام رقيب أو جنرال صهيوني خاضعاً مأموراً.
4) وكأنك، حضرة الأستاذ، قد تناولت مذكرات كاظم الخليل بتصميم مسبق على أن تحاول إفقادها كل مصداقية. فلمّا لم تعثر على مواقع ضعف فيها ابتدعتها من نفسك أو استثرت شبهات أو أومأت إلى إيحاءات مموهة لاختلاق غموض وشكوك. لا أدري سرّ هذا العداء. فكاظم الخليل لم يعد الزعيم اليميني القوي الخطير المرهوب الواجب اتخاذ كل وسائل إضعافه لدرء خطره. هو تحت التراب منذ ثلاثة عقود ونصف ومذكراته ليست إلّا من التراث التاريخي. فمن المؤسف أن تنتقص من قيمتها مجاناً وافتعالاً. والشقاق اليميني اليساري أضحى في خبر كان. والأستاذ أسعد لم يكن من الأقلام المأجورة لبقايا خصومات وهمية!
5) ومن الأمثلة على تعمّد الأستاذ أسعد الافتراء وافرة:
- الشكر وجّهه شقيقي المغفور له بإذن الله خليل في المقدّمة للأستاذ مهدي حيدر الذي تطوّع لمراجعة المذكرات للتأكد من أن كاظماً لم ينصب الفاعل سهواً أو شيئاً من هذا القبيل، وللأستاذ أنطوان سعد الذي شاهد النص مكتوباً بخط كاظم كاملاً وحرص مستميتاً ألّا يمسّ حتى لرفع الفاعل المنصوب خطأً، وللأستاذ جوزف القصيفي خشية أن يكون كاظم قد أرّخ حدثاً ما في غير تاريخه، فجعل الأستاذ أسعد ذلك الشكر وسيلةً لإثارة الشكوك حول ما إذا كان «التريو» المذكور قد وضع المذكرات. اطمئن، يا أستاذ أسعد، إنّ النص الكامل مكتوب بخط كاظم الفريد من نوعه، جاهز لك أن تتسلم صورة عنه كاملاً. ولكل مَن يقرأ بعين موضوعية حيادية أن يطمئن أنها بقلم كاظم بكل حرف منها.
- وقولك: «المذكرات تفصيليّة ومفيدة والسرد يعكس وجهة نظر اليمين الماروني الشمعوني-الكتائبي، الذي انتمى إليه المؤّلف...». كيف توصلت لهذا الاستنتاج؟ هل ظهر عليه في الفصل عن العثمانيين، أم في فصل الانتداب، أم عن الحلف الثلاثي. لم تشر إلى مثالٍ واحدٍ عن تعمّد خدمة اليمين الذي نسّب كاظماً إليه. أم هي جملة اختلقها حضرة الأستاذ لتوحي أنها مذكرات منحازة، طعنٌ بحياديتها، فيغرب عنها متوخي الحقيقة المجردة أو تُقرأ بعين المرتاب. ثم هل عكس سرد كاظم وجهة ذلك اليمين بتحوير الواقعات. فهل كشَفْتَ أستاذ أسعد شيئاً من هذا. فلتفضحه. بل هذا قطعاً غير صحيح. أسلوب لا يعتمده كاظم الخليل. أمّا إذا كان السرد صحيحاً فعلى الأستاذ أسعد أن يتفوّه بما لم يعجبه. مؤكد أن كاظم الخليل كان يمينياً بمفهوم معارضة نهج كبح الحرّيات لدى الأنظمة الشيوعية آنذاك وخشيته من تطبيقه على أوطاننا فيما لو سادت شيوعية في ذلك الحين.
آل الخليل أكثر عائلة خدمت الفلسطينيين في لبنان، وبإمكانات بيوتها الذاتية. في 1948 تحوّلت بيوتهم في صور مراكز غوث وشبابهم متطوّعين. أنشأت العائلة، بممانعة حادة من سلطة الثلاثي الخوري-الصلح-الأسعد، مستشفى فلسطين
6) ثم يكتب الأستاذ أن كاظم الخليل كان زعيم ميليشيا، وأن شاه إيران كان يموّلها. تهمة لم يفترها شرّ خصومه. ثم لم يرد في موسوعات حرب الفتنة أن شاه إيران قد تدخّل فيها. فهل حاربت ميليشا كاظم الخليل في مناطق الثنائي الشيعي الذي استخصم العائلة، أم كانت ترتع بين الذوق وبشري. بل من المعيب على أستاذ مرموق أن يتملّق أسلوب مأجوري الكتبة باختلاقات خيالية يلقيها أملاً بأن يستسيغها جهّال من قرائه.
7) ثم حبّذا لو تحلّت مناقشتك، يا أستاذ، لسردية كاظم الخليل عن العهد العثماني بموضوعية علمية، ولم تنضح بأوصاف تنم عن الغرضية والحقد. ما علاقة شمعون بتاريخ نضال آل الخليل ضد النير العثماني. فهل كان شمعون خصماً للباب العالي.
8) يقول الأستاذ أسعد إن سرديّة كاظم التاريخيّة عن آل الخليل، «تنزع نحو تكرار الروايات المتخيّلة عند بُناة الأسطورة الكيانيّة اللّبنانيّة»، «تعميمات عن اضطهاد للطائفة الشيعيّة من دون الاستناد إلى مستندات تاريخيّة أو وثائق رسميّة أو تأريخ رصين».
بل إن كاظم الخليل عاش الاضطهاد شخصياً؛ زار والده وعمّه في سجن جمال باشا للمجلس الحربي في عاليه. وكان في الثامنة عشرة عند سقوط الدولة. ثم إن مجزرة شحور، الواردة لدى كل مؤرخي الحقبة هي بذاتها دليل قاطع على اضطهاد الشيعة، كما تدل على تاريخ العائلة، وأن ذلك التاريخ كان يوم كتب كاظم الخليل ما يزال محفوظاً في صدور عشرات بل مئات من شيوخ العائلة، وما يزال حتى اليوم كثرٌ يذكرون ما سمعوا عن هؤلاء.
9) يتعمّد الأستاذ أسعد أن يطلق في مطلع فقرته تتفيهاً، فيقول «أخطأ الخليل»، ليتابع فيقول ما يوافق قول الخليل حيث نسب إليه الخطأ. ومنها تعلّم أصحاب المذاهب السنية الأربعة من الإمام جعفر الصادق.
10) «كلام الخليل عن المرحلة العثمانيّة لم يكن دقيقاً أو صحيحاً (كذلك في مطلع الفقرة). إنّ الإجمال حول اضطهاد استمرّ طوال العهد التركي هو استعارة مِن قِبل التاريخ الكنسي الماروني الذي اختلق قصّة المظلوميّة الدائمة. لم يكن هناك اضطهاد شامل للشيعة أو غيرهم».
غريب فعلاً محاولة الأستاذ أسعد تبرئة العثمانيين من حرمان الشيعة من ممارسة شعائرهم وشريعتهم، بل حتى المسيحيين. أن يعتبر فصل العثمانيين في المذكرات هو استعارة من قبل التاريخ الكنسي الماروني.
11) الأستاذ يقول والخليل الذي عادى عبد الناصر بحُكم تبعيّته السياسيّة لكميل شمعون. لم يقتنع كاظم بتجييش عبد الناصر معارضين للحكام ودعوته للثورة في لبنان ودعمه لها، فتنة بين الطائفتين الكبريين، كان كاظم ضد كل تهجم على حكام وأنظمة الدول العربية الأخرى. ولقد أنصف عبد الناصر بوصف زعامته «المنقطعة النظير» مع أنه كان من المعارضين لنهجه وقال له ذلك حين قابله في عام 1956، إذ نصحه بأن يلجأ إلى التقارب مع باقي الدول العربية وليس التحريض على الثورة.
«وهنا تكون المفاضلة بين العهد العثماني والعهد الفرنسي دائماً لمصلحة الاستعمار الفرنسي». مستهجن هذا النهج بالتحليل الذي ليس مسنداً قط، بل هو مفتعل مركب على وجه واضح. يريد الأستاذ أسعد أن يجعل من كاظم الخليل حتى في تأريخه عن العثمانيين بوقاً لشمعون. في حين كاظم نشأ في العهد العثماني ورافق والده الحاج إسماعيل الخليل المناضل في سبيل العروبة وعدداً من أبناء عمّه في النشاط العلني منه والسرّي، ولو أنه صحيح أن كاظم الخليل كان صديقاً للرئيس شمعون ومتحالفاً معه، لم يكن تابعاً له. إلا أن الأكيد أن كاظم الخليل لم يبنِ قناعته وموقفه وآراءه السياسية على علاقته بشمعون، بل هو قد نجح في أكثر من مناسبة بتبديل رأي شمعون وحمله على الأخذ بموقفه.
فكاظم هو سليل عائلة مارست العمل العام لقرون قبل التقاء كاظم قاضياً بشمعون محامياً في عهد الانتداب، وقبل أن يتعزّز تعاونهما في عهد الرئيس بشارة الخوري. وقاعدة كاظم الخليل السياسية هي في الجنوب وصور ولم يكن لشمعون، الزعيم اللبناني الأبرز، أدنى دور فيها، ولم ينتسب إلى حزب الوطنيين الأحرار منها سوى كاظم مؤسساً دون أي فرد من عائلته أو مؤيديه أو من منطقته، ولم يؤسس لهذا الحزب فرعاً فيها، ولا يدري أحد مَن منهما كان له التأثير الأرجح في تعاونهما.
12) هنا يعود أيضاً إلى إطلاق فقرته بعبارة هدامة أن سردية كاظم ملؤها المغالطات والأباطيل، لم يشر مرة واحدة إلى بطلان واقعة أوردها كاظم، هو قول افترائيٌ جائر. «لكنّه ينتمي إلى تيار يميني اعتاد أن يُخضع التاريخ للانحياز السياسي، فإذا تناقض الأول مع الثاني يطغى الثاني ويختلق ما يناسبه» ولو أن كاظم كان يمينياً بقناعاته الشخصية المبنية على خبرته السياسية والاجتماعية. إنما لا صحة قط للزعم بأنه كان يحوّر التاريخ انحيازاً إلى مصلحة تياره.
ولم يبيّن الأستاذ حالة واحدة نسبها إلى كاظم تشي بهذا النوع من انحياز وليّ التاريخ.
وينسب إلى الحلف الثلاثي أنه جرّ البلاد إلى الحرب الأهلية في حين أن الحرب الأهلية انطلقت بعد سنوات من الحلف بسبب تصرفات المنظمات الفلسطينية في حينه في عام 1975 وبعده ولا شأن للحلف الثلاثي بنشوب الحرب الأهلية في لبنان، فلم يربط أي مؤرخ أو كاتب سياسي ذلك الحلف بتلك الفتنة، بل إن كثراً من أهل اليسار السابق يترحّمون اليوم على اليمين الرجعي ويدركون مدى مسؤوليتهم عن إضعاف الدولة والنظام.
13) بل يبدو أن الأستاذ أسعد لم يقرأ المذكرات. إذ لم يأتِ إلا على نذرات يسيرة عادية منها ساقها إلى نهج كتابته... ليحاول أن يمسّ بمصداقية المذكرات المحرّرة بكل دقّة وتقيّد بالواقعات التاريخية ومن غير أن يسند أي تهمة ولا سيما العبارات التي تشكّل مساساً خلقياً بالمذكرات كالتهم بالأباطيل وانحياز بتبديل التاريخ انحيازاً إلى تياره غير المسندة مطلقاً، بل هو الأستاذ أسعد الذي يلقي بالتهم جزافاً من غير أن يبيّن أي موقع تحققت فيه هذه التهم.
